بقلم عبد الرزاق بن شريج
شهادة الدكتور محمد الناصري حول البدايات الأولى لتكوين مفتشي التعليم
تقديمبعد نشر الحلقة الرابعة عشرة من سلسلة «تاريخ تطور التفتيش بالمغرب» يوم 28 غشت 2026، وفي إطار مواصلة البحث والتدقيق في الإشكال المتعلق بتاريخ بداية تكوين المفتشين من جهة، وتاريخ إحداث مركز خاص لتكوينهم من جهة أخرى، استمر البحث عن معطيات وشهادات يمكن أن تساعد على إضاءة هذه المرحلة التأسيسية من تاريخ التفتيش بالمغرب.
وفي هذا السياق، وبمساعدة من الزميل الأستاذ صلاح بعيز، أمكن الوصول إلى شهادة الزميل الأستاذ محمد الناصري، الذي كان من طلبة أول فوج تلقى تكوينا للترقي إلى مهمة مفتش، بحسب ما استحضره من ذاكرته خلال الحديث.
وتكتسي هذه الشهادة أهمية خاصة لأنها صادرة عن أحد الذين عاشوا التجربة من داخلها، وتقدم معطيات حول مكان التكوين، وتاريخ انطلاقه، وعدد أفراد الفوج، وطريقة الولوج، وبعض المواد التي تلقاها الطلبة وأسماء عدد من الأساتذة الذين تولوا تدريسهم.
غير أن التعامل مع هذه الإفادة يقتضي الانتباه إلى طبيعتها. فالتصريح تم عبر اتصال هاتفي، وتم تدوينه أثناء الحديث، وهو ما قد يتسبب في بعض الهفوات، ولا سيما في كتابة بعض الأسماء أو ضبط بعض التفاصيل. لذلك فإن المعطيات الواردة في الشهادة تقدم باعتبارها شهادة شفوية تاريخية تساعد على فهم المرحلة، مع ضرورة مقارنتها بالنصوص القانونية والوثائق الإدارية والمصادر التاريخية المعاصرة لها.
ولا تهدف هذه الشهادة إلى أن تحل محل الوثيقة الرسمية، وإنما إلى أن تضع أمام الباحث معطيات من داخل التجربة نفسها؛ فالنصوص القانونية قد تحدد شروط الولوج والرتب والمسارات النظامية، بينما تستطيع شهادة أحد المشاركين أن تلقي الضوء على المكان الذي كان يجري فيه التكوين، وطبيعته، وبعض تفاصيل الحياة الدراسية التي لا نجدها دائما في النصوص التنظيمية.
ومن هذه الزاوية، فإن شهادة الأستاذ محمد الناصري تكتسي أهمية إضافية بالنسبة إلى السؤال الذي ظل مطروحا خلال البحث: هل بدأ تكوين المفتشين مع ظهور مركز تكوين المفتشين، أم أن التكوين سبق إنشاء المركز المتخصص؟
سنة 1963: بداية التكوين في المدرسة العليا للأساتذة
بحسب شهادة الأستاذ محمد الناصري، فإن أول فوج لتكوين مفتشي التعليم المساعدين كان سنة 1963 بالمدرسة العليا للأساتذة بالرباط، التي كانت توجد آنذاك بالقرب من قاعة ابن ياسين، ويذكر أن التكوين كان يتم داخل قسم واحد وفي حجرة دراسية واحدة ببناية المدرسة العليا للأساتذة، وأن عدد الطلبة المفتشين المساعدين بلغ 45 طالبا، فيما انطلقت الدراسة يوم 16 نونبر 1963، وهذه المعطيات، تقدم عنصرا مهما في تحديد تاريخ بداية التكوين؛ فهي تشير إلى أن عملية تكوين المفتشين كانت قد انطلقت قبل ظهور المركز المتخصص الذي ارتبط لاحقا بالعكاري.
الفوج الأول وطريقة الولوج
ويستحضر الأستاذ الناصري أيضا ظروف الولوج إلى الفوج الأول، فحسب تصريحه، صدرت آنذاك مراسلة وزارية فتحت فرصة لانتقاء مفتشين مساعدين، وتم اختيار المعنيين من طرف الإدارة دون امتحان، أما سنة 1964، فيذكر أن مراسلة وزارية أخرى حددت شروط الولوج وكيفية اجتياز الامتحان، واستمر التكوين في المدرسة العليا للأساتذة نفسها، ويذكر الناصري أن الفوج الثاني ضم من بين أعضائه نوبير الأموي،
المواد والأساتذة
ولا تقتصر شهادة الأستاذ الناصري على تاريخ ومكان التكوين، بل تستحضر أيضا بعضا من مضمونه، فقد كان الطلبة، حسب تصريحه، يتلقون دروسا في اللغة العربية واللغة الفرنسية والحساب وعلم النفس والتربية الخاصة.
ويذكر أن الشيخ عبد السلام ياسين كان يدرس علم النفس، بينما كان محمد شفيق يتولى تدريس التربية الخاصة، كما يستحضر أسماء عدد من الأساتذة الآخرين، من بينهم الخلادي والزعيم وحنين والحمداني، إلى جانب بعض الأساتذة المصريين.
ويستحضر كذلك أسماء عدد من زملائه في الدراسة، ومن بينهم أخ المرحوم وزير التربية الوطنية محمد الوفا، وأخ الوزير الأسبق وزير التربية الوطنية محمد الكنيدري، وامحمد غيور، الذي أصبح لاحقا رئيسا للتعاضدية العامة للتربية الوطنية.
ويشير كذلك إلى تنظيم دورة تكوينية لفائدة الطلبة العرب في بيروت من طرف الجامعة الأمريكية، استمرت، حسب ذاكرته، شهرا ونصف الشهر.
من تكوين المفتشين إلى مركز تكوينهم
غير أن الأهمية الأساسية لهذه الشهادة بالنسبة إلى البحث الحالي لا تكمن فقط في تفاصيل الفوج الأول، وإنما فيما تسمح به من تمييز بين تاريخ التكوين وتاريخ المركز، فالمعطيات التي يستحضرها الأستاذ محمد الناصري تضع بداية تجربة التكوين سنة 1963 داخل المدرسة العليا للأساتذة بالرباط، أي في مؤسسة تعليمية لم تكن، بحسب هذه الشهادة، هي مركزا مستقلا مخصصا لتكوين المفتشين، وفي المقابل، يربط الناصري ظهور مركز تكوين المفتشين بالعكاري بالرباط سنة 1969، وهنا يصبح من الضروري الفصل بين مستويين مختلفين في تاريخ هذه التجربة:
تاريخ بداية تكوين المفتشين: وتشير شهادة الناصري إلى سنة 1963، حين كان التكوين يتم بالمدرسة العليا للأساتذة.
تاريخ الانتقال إلى مركز متخصص: ويرتبط بمركز تكوين المفتشين بالعكاري، الذي ظهر في مرحلة لاحقة، وبدأ التكوين في بنايته خلال السنة الدراسية 1969/1970.
وبذلك لا يكون عام 1969 هو تاريخ بداية تكوين المفتشين، وإنما يمثل مرحلة جديدة في التنظيم المؤسساتي لهذا التكوين، حين أصبح له مركز مخصص لهذه المهمة.
شهادة تساعد على قراءة ما بين النصوص
إن أهمية شهادة الأستاذ محمد الناصري لا تعني اعتماد كل تفاصيلها دون تحقق، وإنما تكمن في أنها تقدم للباحث زاوية أخرى للنظر إلى المرحلة، فالنصوص القانونية والإدارية تحدد الوضعيات النظامية وشروط الولوج والرتب والاختبارات، بينما تكشف شهادة أحد المشاركين في التجربة عن فضاء التكوين، وعدد الطلبة، وبعض المواد الدراسية، وأسماء الأساتذة، وتفاصيل أخرى قد لا تظهر في النصوص التنظيمية، ومن ثم، فإن قيمة هذه الشهادة تظهر عندما توضع إلى جانب الوثيقة الرسمية لا مكانها.
وهكذا، فإن البحث في تاريخ تكوين المفتشين لا يقود فقط إلى سؤال: متى أنشئ مركز تكوين المفتشين؟ وإنما يطرح سؤالا أسبق منه: متى بدأ تكوين المفتشين أصلا، وأين كان يجري قبل أن يصبح له مركز خاص؟
وتساعد شهادة الأستاذ محمد الناصري، باعتبارها شهادة أحد المشاركين في التجربة، على الاقتراب من الإجابة عن هذا السؤال، مع بقاء المطابقة مع الوثائق القانونية والإدارية شرطا أساسيا لاستكمال الصورة التاريخية.
كما تجدر الإشارة إلى أن هذه الشهادة القيمة التي تتحدث عن تكوين المفتشين المساعدين سيليها في الحلقة المقبلة شهادتان هامتان في توضيح الصورة بجلاء، وهما شهادة المرحوم الشيخ عبد السلام ياسين، وشهادة الدكتور زكي مبارك، مشفوعتان بمراجع تاريخية هامة جدا.